الشيخ الأميني

222

موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب ( ط دائرة المعارف )

وشرط أن لا أخالفه وقال لي : اقعد هنا . فجلست في الموضع الذي أقعدني فيه ثلاث سنين ، يأتيني كلّ سنة مرّة ويقول لي : مكانك حتى آتيك . قال : ومكثت سنة في خرائب المدائن آخذ نفسي بطريق المجاهدات فآكل المنبوذ ولا أشرب الماء ، ومكثت فيها سنة أشرب الماء ولا آكل المنبوذ ، وسنة لا أكل ولا أشرب ولا أنام ، ونمت مرّة بأيوان كسرى في ليلة باردة فاحتلمت فقمت وذهبت إلى الشطّ واغتسلت ، ثم نمت فاحتلمت فذهبت إلى الشطّ واغتسلت ، فوقع لي ذلك في تلك الليلة أربعين مرّة وأنا أغتسل ، ثم صعدت إلى الأيوان خوف النوم . قال الأميني : اقرأه مع إمعان وتبصّر في شأن هذا العارف ، معلّم طوائف من رجال الغيب والجانّ الذين اتّخذوه الطريق إلى اللّه ، وكان رفيق الخضر عليه السّلام ، وأعجب من إنسان لم يأكل سنة ، ولم يشرب أخرى ، ويتركهما ثالثة ، ولم تخر قواه حتى يحتلم في ليلة شاتية أربعين مرّة ، ويعبث به الشيطان بهذا العدد الجمّ وهو فان في اللّه ، ولو كان اتّفق له ذلك خلال تلكم الأيّام التي كان يأكل فيها الدجاجة المسلوقة ويحيي عظامها كما مرّ لكان يعدّ بعيدا عن الطبيعة البشريّة . وما أطول تلك الليلة حتى وسعت أربعين نومة ذات احتلام ، وأغسالا بعدها على عدد الأحلام المتخلّلة بالذهاب إلى الشطّ والإياب إلى مقرّه ومنامه ! وبعد ذلك كلّه تبقى منها برهة يصعد الشيخ إلى الأيوان خوفا من النوم ، ولعلّه لو نام بعد نومته المتمّمة للأربعين لبلغ العدد الأربعمئة أو أكثر ، ولم يكن الشيطان يفارق ذلك الهيكل القدسيّ واللعب به مهما امتدّت ليلته ، وليس إحياؤه عظام الدجاجة بأعظم من هذه الكرامة ، وإن هي إلّا أحلام نائم نسجتها أيدي العرونة « 1 » غلوّا في الفضائل .

--> ( 1 ) كذا ، ولعلها الرعونة .